الفيروس والمسؤولية المجتمعية

سنةُ ٢٠٢٠م كانتْ سنةً غريبةً فِي كلِّ المعاييرِ. فِي بدايةِ السَّنةِ وبعدَ ظهورِ الفيروسِ منَ الصينِ، كانَ هناكَ بعضُ النَّاسِ يُقلِّلونَ منْ أهميَّةِ هذَا الفيروسِ، والبعضُ كانَ يُحذِّرُ منْ خُطورتِهِ. ولكنْ فِي أوائلِ الشَّهرِ الثَّالثِ قرَرتْ معظمُ الدولِ إغلاقَ منافذِهَا البريَّةِ والجويَّةِ، وفرضتْ حظرَ التجوُّلِ، أوْ علَى الأقلِ الجلوسَ فِي البيتِ بقدْرِ المستطاعِ. وفِي حينهَا انزعجَ كثيرٌ منَ الناسِ منْ هذَا الأمرِ، وبعضهُمْ كانَ ضدَّ إغلاقِ المتاجرِ والمحلاتِ. ولكنْ عندمَا نتأمَّلُ قليلاً، نجدُ أنَّ المُعْتَبِرَ قدْ يجدُ الدروسَ المليئةَ بالعِبَرِ

:وكمَا علَّمنَا اللهُ -سبحانَهُ وتعالَى- أنَّنَا قدْ نجدُ الخيرَ فِي الأمورِ التِي قدْ نظنُّ أنهَا ليستْ كذلكَ، والعكسُ صحيحٌ

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون

سورة البقرة ٢١٦

بعدَ الانتشارِ الواسعِ للفيروسِ ومَنْعِ التجوُّلِ، وجدنَا أننَا كنَّا نُمْضِي أكثرَ أوقاتِنَا معَ عائلتِنَا، سواءٌ كانُوا أزواجنَا أمْ أبناءنَا أمْ والدينَا وإخوتنَا. ويصحُّ القولُ: إنّنَا بدأنَا نتعرَّفُ عليهمْ منْ جديدٍ، منْ غيرِ ضغوطاتِ الوقتِ والعواملِ الخارجيَّةِ. والأهمُّ منْ هذَا، أنَّنَا استدركْنَا أنَّ أقاربنَا هُمْ الذينَ يكونونَ فِي المقدِّمَةِ وقتَ الحاجةِ، شِئْنَا أَمْ أبينَا. والأقاربُ ليسُوا محصورينَ فِي الوالدَيْنِ والأزواجِ والأبناءِ، بلِ الدائرةُ أوسعُ منْ هذَا. بلْ إنَّ اللهَ -سبحانَهُ وتعالَى- ذكَرَ أنَّ الأُخُوَّةَ قدْ لاَ تكونُ فِي الأنسابِ فقطْ؛ فالمسلمُ أخُو المسلمِ، يساعدُهُ وقتَ الحاجةِ، ويمدُّ لهُ يدَ العونِ وقتَ الأزماتِ. وفِي هذَا قالَ ابنُ كثيرٍ فِي تفسيرِ قولِهِ -سبحانَهُ وتعالَى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [سورة الحجرات: 10]: “إنَّ الجميعَ إِخْوَةٌ فِي الدِّينِ. والنبيُّ -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ- نبَّهَ أصحابَهُ إلَى هذَا المعنَى العظيمِ فِي أكثرِ مِنْ حديثٍ؛ ففِي الصحيحِ قالَ -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ-: “مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَداعَى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى” (أخرجَهُ البخاريُّ: ٦٠١١، ومسلمٌ: ٢٥٨٦)

وهنَا يتأمَّلُ الإنسانُ فِي الحالةِ التِي وصلتْ إليهَا كثيرٌ منَ المجتمعاتِ وخاصةً المجتمعاتِ التِي تُقدِّسَ الفردَ علَى المجتمعِ، ويعيشُ الفردُ لهدفٍ واحدٍ، وهذَا الهدفُ غايتُهُ إشباعُ الغرائزِ وفِعْلُ مَا يمكنُ للوصولِ إلَى هذِهِ الغايةِ. وفِي الطريقِ لهذَا الهدفِ، لا يُعطِي المجتمعَ حقَّهُ، ولاَ حتَّى أقاربَهُ وأصحابَهُ.

وهنَا نتساءَلُ: هلْ يُوجَدُ رَبْطٌ بينَ المجتمعاتِ التِي تُقدِّسُ الفردَ وبينَ الانتشارِ السريعِ فِي تَفَشِّي الفيروسِ فيهَا؟ مثلاً: فِي بعضِ الدولِ فِي شرقِ آسيَا مثلَ اليابانِ وكوريَا الجنوبيَّةِ، الحالاتُ لَمْ تخرجْ عنِ السيطرةِ مثلَ بعضِ الدولِ الغربيَّةِ؛ كالمملكةِ المتَّحدَةِ والولاياتِ المتَّحدَةِ. قدْ يكونُ هناكَ رَابِطٌ بينهمَا.

فِي المجتمعِ المسلمِ، لاَ يجوزُ للفردِ أنْ يُقدِّمَ مصالحَهُ إذَا كانتْ تُعارِضُ صِحَّةَ وسلامَةَ المجتمعِ. ولنَا فِي رسولِ اللهِ -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ- أُسوةٌ حَسَنةٌ فِي ذلكَ، ومِنَ الآياتِ التِي يستشعرُ فيهَا المسلمُ حَجْمَ التضحيةِ التِي ضَحَّى بهَا الجيلُ الأولُ هِي آياتُ سورةِ الحشرِ:

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

سورة الحشر ٩

وهؤلاءِ الذينَ يُؤثِرُونَ علَى أنفسهِمْ هُمْ الأنصارُ؛ الذينَ بايعُوا الرسولَ ونصرُوهُ لمَّا كانَ مُسْتَضْعَفًا -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ-. وذكَرَ اللهُ أنَّهمْ آثَرُوا المهاجرينَ علَى أنفسهِمْ ليسَ عنْ غِنًى، بلْ أكثرُهُمْ كانُوا فقراءَ. ولكنْ هذَا مَا منعَهُمْ أنْ يُكْرِمُوا المهاجرينَ ويستقبلُوهُمْ فِي المدينةِ خيرَ استقبالٍ. ومِنْ هذَا المنطلقِ؛ نَرَى أنَّهُ مَهْمَا تَقَدَّمَ الزمنُ ومهمَا ظَنَّ الناسُ أنَّ التَّطَوُّرَ المادِّيَّ لاَ يكونُ إلَّا عنْ طريقِ الاستقلاليَّةِ عنِ المجتمعِ، جاءَ هذَا الفيروسُ ليُذَكِّرَنَا بأنَّهُ لاَ يجبُ أنْ نَتَّبِعَ منهجَ غيرِنَا الذِي يدعُو للانفراديَّةِ البَشِعَةِ، التِي تُدَمِّرُ المجتمعَ. فالمجتمعُ المسلمُ هُوَ المجتمعُ الذِي يُرَاعَى فيهِ كبيرُ السِّنِّ كمثالٍ، فقدْ عَلِمْنَا منذُ البدايةِ أنَّ هذَا الفيروسَ أخطرُ علَى كِبَارِ السِّنِّ. ولكنْ رأيْنَا أيضًا فِي كثيرٍ منَ الدولِ الغربيَّةِ أنَّ كبارَ السِّنِّ ليسَ لَهُمْ قِيمَةٌ، فَكثيرٌ منهُمْ يُدْخِلُ الأبَ والأمَ إلَى دارِ العَجَزَةِ ولاَ يَسْألُ عَنْهُمْ. فأكثرهُمُ قدْ لاَ يُبالِي إنْ كانَ ضحيةُ هذَا الفيروسِ كبارَ السِّنِّ. وهذَا العكسُ تمامًا فِي المجتمعِ المسلمِ؛ فكبارُ السِّنِّ، وخاصةً الوالدَيْنِ، لهُمْ شأنٌ عظيمٌ ومقامٌ حميدٌ؛ فالابنُ قدْ يُضَحِّي بنفسِهِ لأجلهِمْ، وقدْ يَخُوضُ المعاركَ لأجلِهِمْ، ويموتُ لأجلِهِمْ؛ لأنَّهُ وَعَى قولَهُ – تعالَى

وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

سورة الإسراء ٢٣-٢٤

ومَعَ انتشارِ هذَا الوباءِ تَذَكَّرْنَا قيمةَ المجتمعِ المترابطِ الذِي يجمعُهُ مصيرٌ واحدٌ، وإنْ شذَّ بعضُ الأفرادِ سيدفَعِ الثمنَ المجتمعُ بأكملِهِ. وتكونُ المسؤوليةُ علَى عاتِقِ الجميعِ لكَيْ ينحسِرَ هذَا الفيروسُ. ومثالُ هذَا المجتمعِ السليمِ، الذِي يحسُّ فيهِ كُلُّ الأعضاءِ أنَّ لديهِمْ مصيرًا مشتركًا، والذِي يُؤْمَرُ فيهِ بالمعروفِ وَيُنْهَى فيهِ عنِ المنكَرِ؛ ذلكَ هُوَ المجتمعُ المسلمُ الذِي يُمَثِّلُهُ المجتمعُ المَدَنِيُّ الأولُ، وبهذَا انتصرَ الرسولُ -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ- والصحابةُ علَى مَنْ عادَاهُمْ. والرسولُ -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ، وهُوَ الذِي أيَّدَهُ اللهُ والملائكةُ-، عَلِمَ أنَّهُ لاَ بُدَّ أنْ يكونَ هناكَ مجتمعٌ مترابِطٌ ومتماسِكٌ يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا، فقالَ -عليْهِ الصلاةُ والسلامُ-: “المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بيْنَ أَصابِعِهِ” (أخرجَهُ البخاريُّ: ٢٤٤٦، ومسلمٌ: ٢٥٨٥)

ورأينَا هذَا المثالَ فِي غزوةِ بَدْرٍ حينَ انتصَرَ المسلمونَ علَى قريشٍ؛ لأنَّهُمْ كانُوا متماسكِينَ

Subscribe.

Loading