بين الحلال والحرام


في كثير من الأحيان أسأل نفسي عن الطريقة السليمة في أن أعيش متوافقا مع تطور العالم من حولي ومع ديني، وأسألها: ما هي المعايير التي يجب أن أرجع إليها كل الأمور التي تواجهني في الحياة؟ وعن مراد الله سبحانه وتعالى في أحكامه سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية. لو تأملنا في القرآن الكريم وجدنا أن الله سبحانه وتعالى بيّن لنا الحلال والحرام بكل وضوح. ولكن في هذا الزمان اختلطت كثير من الأمور لدينا في المعنى الحقيقي في اتباع أوامر الله.

صحيح أن أمر الله سبحانه وتعالى لا يرد عليه ولا يُسأل؛ فهو القائل (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) ولكنّ التأمل في مراد الله سبحانه وتعالى في الأحكام القرآنية يساعد في توطيد علاقة الإنسان مع خالقه. فالله يبين لنا في كثير من الآيات أنه حرم علينا بعض الأمور وليس عبثا، بل يتماشى مع القوانين الإلهية التي وضعها الله في هذا الكون. قال تعالى: (وما خلقْنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إنْ كنا فاعليـن). هذه الآيات تعبر عن أن الكون لم يُخلق عبثا ولكن كل شيء خُلق لغرض ما. حتى الحلال والحرام في الإسلام لم يصنف بهذا الشكل عبثا. ولنأخذ مثلاً في شرب الخمر، فقد بيّن الله تعالى أن الخمر فيه منافع للناس ولكن أذاه أكبر من نفعه، وفي آية أخرى أمر المسلمين أن ينتهوا عن شربه. فما المراد من تحريم شرب الخمر؟

لا يخفى على القارئ مدى تأثير الخمر على أصحابه، سواء كان شُربها قليلاً أم كثيراً. وعندما يتأمل القارئ في أحوال أولئك الذين يشربون الخمر يجد أن كثيرا منهم يأخذونه وسيلة للابتعاد عن هموم الحياة ومتاعبها؛ لأن شرب الخمر قد يُنسي الإنسان كثيراً من المتاعب ولو بضع ساعات. وفي الحقيقة قد يُدمن الإنسان على الهروب من الحياة عن طريق شرب الخمر ولكنه هروب وهمي، ولن يُغنيه شيئا عند ذهاب السكرة والرجوع إلى مشاكل الحياة. ومن هذا المنطلق يمكن أن نقيس المحرمات الأخرى مثل الربا ولحم الخنزير والغيبة إلى آخره… فمعظم هذه المحرمات – إنْ لم تكن كلّها – لديها تأثير في حياة الإنسان سواء اجتماعيا، أم أخلاقيا أم بدنيا أم إنسانيا. فالربا مثلاً يزيد الغني ثراء ويزيد الفقير فقرا؛ مما يؤدي إلى شرخ كبير في المجتمع.

ويمكن أن نقيس هذا المعيار على كل المحرمات، وهو أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم شيئا في القرآن إلا لأنه مضر للإنسان. ومن الطريف أن كثيراً من المسلمين وغير المسلمين يظن أن الإسلام دين تحريمي، أي إنه دين يحرم كثيراُ من الأشياء. ولكن في الحقيقة نجد أن المحرمات في القرآن تعد على الأصابع وأن الحلال لم ينص الله عليه لأنه الأصل. وبين هذا الإمام يوسف القرضاوي في قوله: إن الله قد فصل لنا ما حرم علينا ولم يفصل ما أحل لنا لأن الأصل في الشريعة الحلال. وهذا ظاهر في الآيات التي تنص على أن الله حرم علينا كل ما هو خبيث سواء في المأكل والمشرب أو في الأخلاق والمعاملات. يقول تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

في الآيات التي سبقت بين الله سبحانه وتعالى علة التحريم وهي أن الأعمال التي ذُكرت رجس. ومعنى رجس هنا الشر أو الأذى. وقد توقع هذه الأعمال صاحبها في العداوة والبغضاء كما بين الله سبحانه وتعالى في الآية التي تليها، وهذا ما نراه أمام أعيننا في كثير من الدول التي يسمح فيها شرب الخمر ولعب القمار، فنراها مليئة بأعمال الشغب وإثارة العداوة بين الناس

وفي القرآن الكريم والسنة النبوية كثير من الآيات والأحاديث التي تنهانا عن الأعمال التي تضر الإنسان أكثر من أن تنفعه. فالله غني عن أفعالنا وهو القائل (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) فإن كان الله غنياً عن أعمالنا فلابد أنه حرم علينا ما هو شر لنا. والقرآن في كثير من المواضع يدعو المسلم أن يتفكر في خلق الله وآياته. وصحيح أنْ ليس كل شيء يدرك بالعقل خاصة في العبادات، ولكن في المعاملات والمحرمات غالبا ما يكون هناك سبب واضح لتحريم هذه الأفعال

ومثال آخر على ما حرم الله وهو الزنا. كثير من الناس وخاصة من غير المسلمين يرى هذا تقييداً غير مبرر. لِمَ حرم الله الزنا وخاصة إن كان الطرفان على رضى من ذلك؟ والجواب هو أن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم وفضلهم على ما دون ذلك من البهائم. ومن هذا المنطلق أعطى قيمة روحية للإنسان تتعدى القيمة المادية التي يستعملها كثير من الناس لتقييم الآخرين. والزنا يُنزل من قدر الإنسان الروحي إلى شهوة مادية يقضيها ومن ثم تنتهي العلاقة. وإذا كان هذا ما يؤمن به ويفعله كل المجتمع فسينحدر إلى مستوى البهائم الذين يرون الجنس الآخر كمتاع أو سلعة يقضي فيها حاجته ثم ينطلق. وحتى بعض البهائم لم تنحدر إلى المستويات التي وصل إليها بعض البشر. وإذا انتشر الزنا بين الناس انتشرت الفواحش وأهمها تدمير نظام الأسرة الذي يشكل مركزا مهما في المجتمع الإسلامي. وفي هذا حديث يطول ولكن أردتُ أن أبين أن الله سبحانه وتعالى قطعا لم يحرم شيئا إلا لغرض ما

في هذا الزمن أصبحتْ كثير من الأمور متاحة وسهُل الوصول إليها ولاسيما المحرمات. ومن السهل أن يستسهل المسلم كثير من المحرمات لأننا في بعض الأحيان لم نفهم مراد الله. نعم المحرمات لا ترضي الله سبحانه وتعالى وهذا السبب يكفي المسلم ليقلع عنها، ولكن لا بد من المسلم أن يعقل حقيقة الأمر. وهو أن الله سبحانه وتعالى حرم هذه الأعمال لأنها مضرة لنا وسوف ترجع علينا وبالاً في الدنيا قبل الأخرة. ويجب علينا ان نبدأ بالتفكير من هذا المنطلق، وهو أن الله سبحانه وتعالى حرم علينا هذه الأعمال رحمة بنا وليس تنكيلا

Subscribe.

Loading