التضحية الكبرى

وى عبد الله بن هشام -رضي الله عنه- موقفًا شد انتباهي وجعلني أسأل نفسي سؤالًا: لماذا يجب علينا أن نحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- أكثر من حبنا آباءنا وأمهاتنا، بل أكثر من حبنا أبناءنا وأنفسنا؟

قال عبد الله بن هشام: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك”، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلى من نفسي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الآن يا عمر

:وفي الحديث المشهور قال الرسول -عليه الصلاة والسلام

لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين

صحيح الجامع

الإيمان مقرون بحب رسول الله أكثر من حبنا أنفسنا وكل عزيز لدينا. ولكن، هل هذا الشعور ينطبق علينا؟

 قبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف معنى الحب. ومن الممكن القول أنَّ من أوضح علامات الحب هي التضحية، ولا تظهر علامات الحب ولا يترسخ أساسه بين شخصين إن لم يكن بينهما استعداد للتضحية من أجل الآخر. والرسول -صلى الله عليه وسلم- ضرب المثل الأعلى للتضحية في سبيل إعلاء كلمة الإسلام وإبلاغ رسالته

ومما يثبت صدق رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه كان من أشراف الناس نسبًا وحسبًا في قريش، فجده عبد المطلب بن هاشم كان من سادات قريش، رأسًا فيهم مكانة ومنزلة. فقد ساد في قومه لحلمه وكرمه. كذلك كانت أم الرسول -عليه الصلاة والسلام- آمنة بنت وهب بن عبد مناف معدودة من فضليات نساء قريش نسبًا. وهذا يشير إلى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان من أشراف القوم وأعلاهم نسبًا وحسبًا. كانت هذه هي المعايير التي تقيم بها قريش الناس، ومن ثم تنزلهم منازلهم بناء عليها. لهذا مثَّل بدءُ الوحي بالنسبة إلى رجل في مقام الرسول من قريش محنة وابتلاء، إذ كان يعني احتمال التضحية بمكانته وشرفه في قومه لو ثبت لهم كذبه، وهو كان على وعي بكل ذلك، لكنه لم يكن يملك إلا أن يصدع بما يؤمر، لثقته وإيمانه بما أنزل إليه من ربه. فهذه تعد أول تضحية قدمها الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأجل أمته

ومن المهم التعقيب على هذا الموقف، فلو تخيل الإنسان هذا الموقف وهذا المقام الذي كان عليه النبي قبل البعثة، لتبيَّن له حجم التضحية التي بذلها الرسول صلى الله عليه وسلم. ففي رفعه راية الإسلام والتعهد بنشر هذه الدعوة، يكون قد ضحى بمكانته الراسخة في قريش بل بمكانة بني هاشم جميعًا، وهدد مقام كبار آله كعمه أبي طالب، وخاطر بماله وبيته وشرف آله عليهم السلام. ومن العسير على بعضنا أن يتصور نفسه مكان النبي -عليه الصلاة والسلام- فالرسول ما كان من أسافل القوم، وما كانت عائلته مغمورة الحسب والسمعة، ولو كان الأمر كذلك لما كانت هناك من تضحية بالأساس، إذ ماذا قد يخسر حينها؟

فبعد أن نزل الأمر من السماء يكلف النبي بتبليغ رسالة الله ونشر الدين، كانت لقريش ردة فعل عنيفة. فحاربوا الرسول بشتى الطرق، ومن أقبحها كيل الاتهامات الباطلة له والادعاءات الكاذبة عليه. وبعد أن كان يدعى فيهم الصادق الأمين أصبح عندهم ساحرًا كذابًا، وبدأت الحملة الإعلامية الشعواء تسلقه بألسنة حداد، ولا زالت تتكالب عليه يومًا بعد يوم مختلقة الأباطيل وافتراء الكذب ما بين وصفه بالشاعر والساحر والكذاب وأن معلمه بشر. ولتقريب هذا المشهد للقارئ، لنتصور كأن الجرائد تنشر يوميًّا في صفحاتها الرئيسية الشتم والاتهام الباطل للنبي. كيف تجد وقع ذلك عليك، فضلًا عن وقعه على الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لم يكن يخرج من بيته إلا وينالون منه ومن رسالته. وكان من أشد المواقف التي مر بها النبي موقف إلقاء سلا الجزور (والسلا هو الأوساخ التي تخرج مع الجمل الوليد عند ولادته) بين كتفي النبي وهو يصلي، يقول ابن مسعود

بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ عَلَى كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ [قيل: إنه عقبة بن أبي معيط] فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ يَمِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. يقول ابن مسعود: لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: وَالنَّبِيُّ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتُمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ

صحيح مسلم

وهذا المشهد يؤكد حجم التضحية التي بذلها الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأجل الإسلام، فها هو ترمى عليه القاذورات بعد أن كان في قريش عزيزًا مكرمًا، وأصبح يكذَّب ويسب وينتقص وهو الذي كان معروفًا لديهم بصدقه وأمانته

ثم عزم النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ما لاقاه في مكة على الذهاب إلى الطائف ليبلغهم الرسالة وكله أمل أن يجد فيهم من يلقي السمع وهو شهيد، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. فقد لقي هناك العنت أشد مما لاقاه في قريش؛ فشتموا الرسول -عليه الصلاة والسلام- وجعلوا يغرون صبيانهم به ليرموه بالحجارة حتى جرحت قدماه. لقد كانت تجربة قاسية عليه أشد القسوة، ولم يزل يستعيد ذكراها المؤلمة، من ذلك أن عائشة سألته ذات مرة، ما أشد ما رأيت من قومك، فقال

 لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي…) إلى آخر الحديث

وبهجرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وطنه برزت تضحيته في سبيل نشر الدعوة وهداية الأمة. فهاجر إلى يثرب تاركًا خلفه ماله وداره وآله، واستقر في المدينة معدمًا من الممتلكات المادية إلا أقل القليل. وفي المدينة واجه الرسول -عليه الصلاة والسلام- التكذيب من اليهود الذين أنكروا رسالته، وتحالفوا مع المشركين لإبادته. وفي حادثة الإفك المشهورة الذي اتهمت فيه عائشة -رضي الله عنها- بما لم تفعل، طعن المنافقون والذين في قلوبهم مرض في عرض النبي، وأرادوا التفريق بين الرسول وزوجته، ولكن نزل القران يبرئ عائشة -رضي الله عنها

وما زال الرسول يضحي بكل ما أوتي من طاقة وجهد لنشر الدين وإخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بإذن ربه. ولولا تضحيات الرسول -عليه الصلاة والسلام- تلك ما وصلتنا رسالة الإسلام واضحة كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. ولولا ما بذل الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكنا إلى يومنا هذا في الجاهلية الأولى، بل الأسوأ من كل هذا أنه لولا تضحيات الرسول لأجلنا لما عرفنا الله حق معرفته، ولما عبدناه حق عبادته. ولهذا وجب أن تكون محبة الرسول -عليه الصلاة والسلام- أشد من محبتنا أنفسنا وأولادنا وأمهاتنا وآباءنا، فما ضحى أحد في سبيلنا كما ضحى الرسول -عليه الصلاة والسلام

‏ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ

9:128

Subscribe.

Loading