المقاومة باللغة


مشهدٌ اعتدنا عليه كثيرًا في الآونة الأخيرة. تمر على ولي أمر يتحدث مع أبنائه بلغة أعجمية. تجلس في مكان ما، وتسمع الطاولة التي خلفك فيها عائلة عربية تتحدث بالإنجليزية. أصبح هذا الأمر اعتياديًّا، وأكثرنا لا يبالي لسماع ومشاهدة أمرٍ كهذا

السؤال هو؛ لماذا تبنت بعض العوائل العربية المسلمة اللغة الإنجليزية لغة رسمية في بيوتها؟ هل لأن اللغة الإنجليزية أسهل من العربية؟ أم هل لأنهم اعتادوا عليها؟ أم يوجد هناك أسبابٌ أخرى

هل هذه الظاهرة شائعة حول العالم؛ فاللغة الإنجليزية هي الأكثر انتشارًا في العالم. تدرس هذه اللغة في المدارس عالميًّا، والمتقن للإنجليزية يكون حظه أكبر في الحصول على وظيفة، والعلوم أكثرها باللغة الإنجليزية، والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي تتبنى اللغة الإنجليزية كاللغة الرسمية

ولكن عندما نسافر إلى البلدان غير العربية نجد أن أكثر العوام يتحدثون لغتهم سواءٌ كان هذا في آسيا، إفريقيا، أمريكا الجنوبية، أو حتى الدول الأوروبية التي تتحدث لغة أخرى. فمثلاً في فرنسا من النادر أن تجد الأب يتحدث مع ابنه بلغة أجنبية. وكذلك في اليابان والصين. فلم هذه الظاهرة في الدول العربية هي أكثر انتشارًا؟

 قد يرى البعض إن إلقاء الضوء على هذه الظاهرة أمرٌ تافهٌ ومبالَغٌ فيه. فيقول البعض: إننا نبالغ لما نقول: إن هذا الأمر أصبح شائعًا، وأن الأمر أصبح خطيرًا

ولكن مثل هذا قد يدمر هوية المجتمع بأكمله، وقد يؤثر على الأجيال القادمة، كما أثر في الأجيال الحالية، وقد ينسلخ المجتمع من دينه وثقافته وهويته بمجرد أن ينسى لغته

وهذا الأمر يجب أن يعطى اهتمامًا شديدًا من أولياء الأمور والمجتمع؛ ففي كل ثقافة تجد أن عندها لغةً خاصةً بها؛ والقرآن حينما نزل على الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-، نزل باللغة العربية. فقريش فهموا القرآن وأكثر معانيه من غير ترجمان.  فكان مفتاح فهم القرآن هو اللغة. وبهذه اللغة انتشر هذا الدين إلى العرب والعجم. وإلى يومنا هذا يجتهد العجم لتعلم اللغة العربية لفهمِ هذا القرآن. فلا يمكن أن نفهم القرآن، ولا نستشعر أثره علينا إلا إذا أتقنا اللغة العربية. فإن جاء جيل من العرب الذين لا يفهمون من العربية شيئا، فكيف لهم أن يفهموا دينهم؟ والأهم من هذا؛ كيف لهم أن يستشعروا لذة كلام الله -تعالى-؟

 التمسك باللغة ليس لفهم القرآن فقط، بل إن قوة الدولة وقوة المجتمع تكمن باستقلاليته والاستفراد بهويته، وإذا كان هناك مجتمع تبنى لغة أجنبية في كل أموره اليومية، سيكون تابعا للآخر ثقافيًّا واجتماعيًّا

وهنا نضرب المثل بألمانيا؛ فالمجتمع الألماني ليس مجتمعًا دينيًّا ولا حتى مجتمعًا محافظًا، ولكن نرى أن اللغة الألمانية هي اللغة الرئيسية والرسمية وغير الرسمية. العلوم تدرس بلغتهم، أولياء الأمور يتحدثون مع أبنائهم بلغتهم، وهم قوة اقتصادية وسياسية لا يستهان بها. ومثلها الصين، واليابان وعدة دول غيرهم. إذًا لا يوجد هناك علاقة بين تبني لغة أخرى والتقدم

فلا يوجد مبرر حقيقي لهذا التبني الكامل للغة أجنبية على حساب اللغة العربية. وبهذا نضرب عصفورين بحجر حينما نتبنى لغتنا ونحافظ على هويتنا وثقافتنا ولا نضحي بالتقدم والاستقلالية

 إننا لسنا ضد تعلمِ أيِّ لغة. بالعكس تمامًا؛ فإن تعلُّمَ اللُّغات يوسع مدارك الإنسان، وبها نستطيع أن نتعرف على الثقافات والمجتمعات الأخرى. ولكن قبل تعلم اللغات الأخرى، يجب علينا أن نتعرف على لغتنا واللغة العربية هي مدخلنا الرئيسي لفهم كلام الله وتراثنا الغني بالعلم النافع؛ فالله -سبحانه وتعالى- يقول

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

سورة يوسف: 2

 ولابن كثير كلام جميل في تفسير هذه الآية، يقول: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)؛ وذلكَ لأنَّ لُغةَ العربِ أفصحُ اللُّغَاتِ وأبينُهَا وأوسعُهَا، وأكثرُهَا تأديةً للمعانِي الَّتِي تقومُ بالنفوسِ; فلهذَا أُنْزِلَ أشرفُ الكُتُبِ بأشرَفِ اللُّغَاتِ 

إن من سنن الله في هذا الكون: ألا يكون لأي حضارة أو دولة ما استقلالية إلا بعدة أمور تجعلها تمتاز عن باقي الحضارات، ومن أهم هذه العوامل: اللغة؛ فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة لنقل معلومة ما لشخص آخر، بل هي أكثر من ذلك. هي المفتاحُ لفهم الدين، لا يمكن للفرد أن يتبحر في علوم الشريعة إلا بلغة عربية قوية

واللغة العربية جزء لا يتجزأ من هويتنا؛ إن فرطنا بها فقد فرطنا بجزء كبير من أنفسنا. كما أن اللغة العربية شكل من أشكال المقاومة؛ مقاومة التيار الجبار الذي يضرب بنا كل يوم ومن كل مكان. فإن اخترنا أن نسلك هذا الطريق فلا أتصور إلا أن يكون لدينا أجيال قادمة لا هوية لها ولا ثقافة لها

Subscribe.

Loading