ما معنى التصوير الفني في القرآن الكريم؟ وهل توجد علاقة بين التصوير الفني والتدبر؟
على غير ما يتصور أكثر الناس، فالقرآن الكريم ليس كتاب تشريع فحسب. معظم القرآن يحتوي على قصص وأمثال ليست كباقي القصص والأمثال التي نجدها في غير القرآن
الآن السؤال هو كيف ولماذا القصص والأمثلة في القرآن ليست كغيرها؟
:انظر مثلا إلى قصة موسى عليه السلام. في بداية سورة القصص يقول الله تعالى
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
في أثناء قراءة هذه الآيات يتصور القارئ المشهد وكأنه يرى أمامه مشهداً سينمائياً. كأنه يرى أم موسى وهي تلقيه في اليم، وهي مترددة، خائفة، حزينة، لا تعلم ما الذي سيحدث. وبعد أن ألقته يتخيل القارئ أم موسى وهي تبكي على ابنها الذي ألقته بيديها. ثم ينتقل القارئ إلى النهر وهو يجري بموسى إلى قصر فرعون، نفس الرجل الذي أمر بقتله. ها هو يستقبل هذا الطفل في قصره ليتنعم في نعيم القصر وليكون السبب لهلاك هذا الطاغية. وبعد أن شفعت له زوجة فرعون، يرجع بنا المشهد إلى أم موسى وهي في ألم وحزن شديد من فقدان ابنها، ولولا إيمانها بالله، لصرخت وافتضح الأمر. ثم نرجع إلى قصر فرعون وإلى موسى وهو يبكي ويمتنع عن الرضاعة وكأننا نشاهد أخته تتخافت بين الناس لكيلا تلفت الأنظار. ثم تدلهم على بيت يكفلونه، وهو نفس البيت الذي خرج منه. ويرجع موسى إلى إمه كي تقر عينها ولا تحزن وكأنه لم يُلقَ في النهر. وفي كل مشهد من مشاهد القصة يتأثر القارئ بالمشاهد بشكل عجيب، فهو يحزن مع حزن أم موسى، ويطمئن لشفاعة زوجة فرعون لموسى وفي النهاية يفرح مع فرح أم موسى
ومن هنا نعرف سبباً من الأسباب التي جعلت قريشاً ومن حولها من الأعراب في حالة ارتباك وانبهار من هذا الكلام. ومن هنا ربما نفهم سبباً جعل عمر رضي الله عنه مثلاً يرق قلبه بعد ما قرأ الآيات من سورة طه وقال: ”ما هذا بكلام بشر“. قريش كانوا أفصح العرب فأنزل الله القرآن عليهم ليتحداهم أن يأتوا بعشر سور أو بسورة واحدة فما استطاعوا حتى إن أفصحهم في قريش، وهو الوليد ابن المغيرة قال فيه: والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمُثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته
ولنسرد بعض الآيات الأخرى التي تصور لنا هذا الفن الإعجازي. فمثلا بين الله سبحانه وتعالى لنا الفرق بين الكلام الطيب والخبيث في مثَل في سورة إبراهيم
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ
يشبه لنا الله تعالى الكلمة الطيبة بالشجرة المثمرة التي تنفع الناس. الشجرة المثمرة تغذي الناس جسديا، والكلمة الطيبة تغذي الناس حسيا. فإن كان الشخص جائعاً أكل منها وشبع. والكلمة الطيبة تؤثر على الناس بشكل كبير. والشجرة التي فرعها في السماء تظلل الناس في اليوم المشمس وتكون مكانا للاستراحة. والكلمة الطيبة أيضاً تكون للشخص المحبَط وفاقد الثقة بنفسه كالظل في يوم مشمس. فهي قد تنعشه وتزيده في الثقة بنفسه وتدخل السعادة في قلبه
وبالعكس تماما صاحب اللسان البذيء والكلام السيئ منقطع السبل ولا يُحترم أينما حل. فهو كالشجرة الخبيثة التي اجتثها صاحبها من الأرض لسوئها. وهنا أتصور في ذهني صورة المزارع وهو يجتث هذه الشجرة التي إن بقيت مكانها فسوف تنشر هذا الخبث إلى ما حولها من النبات
وهنا نقول لو كانت الآية: ”الكلام الطيب حسن والكلام السيئ خبيث“ فالمعنى صحيح ولكن بهذا يكون الكلام قد خرج من هذا التصوير المبدع
وفي آية أخرى في سورة فصلت، يبين لنا الله سبحانه وتعالى أن الأعضاء سوف تنطق في يوم القيامة وتجادل الإنسان فيما فعل
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ
وهنا أيضا يذهب تصور القارئ لهذا المشهد ويبدأ بالتساؤل: كيف تنطق هذه الأعضاء وفوق هذا يرد عليها الإنسان ويقول لها: لماذا تشهدين علي. وهذه المشاهد تجعل الإنسان المتدبر للقرآن يتأثر ويتيقن أن الذي أنطق الإنسان ورفع الجبال وبسط الأرض وفلق البحر لموسى بإمكانه أن يُنطق الأعضاء والنار في قولها: هل من مزيد
وفي آخر المشاهد القرآنية نتوجه إلى سورة الأعراف في مشهد فني يقرب الإنسان إلى الواقعة، وهي المجادلة بين أصحاب الجنة وأصحاب النار. فيبدأ هذا الحديث بسؤال أصحاب الجنة أصحاب النار عن صدق الله وخلاص وعده، فيقول أصحاب الجنة إن الله صدقنا وعده في إدخالنا الجنة، فهل صدق الوعد في إدخالكم النار؟ وهنا ليس لهم إلا أن يقولوا نعم. وأيضا هنا يتخيل القارئ كأنه يرى هذا المشهد أمام عينيه. وفي جانب هذا يرى أصحاب الجنة يتنعمون بنعيم الجنة وثمارها، وفي الجانب الآخر يرى أصحاب النار منغمسين في نار جهنم لا يذوقون فيها بردا ولا شربا إلا حميما وغساقا، جزاء وفاقا. وفي نهاية المشهد يناشد أصحاب النار أصحاب الجنة أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله، فيرد أصحاب الجنة إن الله حرمهما على الكافرين. ويتخيل القارئ هنا أيضاً المشهد العجيب، يرى أصحاب النار في جهنم، وكأنهم رضوا بهذا الواقع الأليم وهم يعلمون أنهم خالدون فيها، فلهذا سألوا عن شيء يخفف عليهم من عطشهم أو جوعهم. وبعد رد أصحاب الجنة، كأننا نرى ستار المشهد يُسْدَل ويبقى أصحاب الجنة في الجنة وأصحاب النار في النار إلى أبد الأبدين
التصوري القرآني لا يوازيه أي تصوير. فهو يجعل الإنسان يعيش مع الأحداث كلها كأنه يراها أمام عينيه. وهذه الأمثال تراها في كل مواضع القرآن. ويبدو لي أن من أعظم أساليب تدبر القرآن هو تدبر هذه المشاهد العظيمة لنعيش معها كأننا نراها أمامنا. والله تعالى أعلم