لماذا رمضان؟


طَالمَا تساءلتُ: لماذَا هذِهِ الأهميةُ الكُبرى لِرمضانَ فِي الإسلامِ؟ فصوم رمضان مِنَ الأركانِ الخمسةِ، ولَا يتمُّ إيمانُ أحدٍ إلَّا بصيامِ هذَا الشهرِ، وهذَا مَا بينَّه الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلمَ في الحديثِ الشهيرِ

بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ

رواهُ البخاريُّ ٨، ومسلمٌ ١٦

كذلكَ كنتُ أتساءلُ عَنْ علاقةِ الصومِ، وهوَ فِي الأساسِ عبادةٌ تمسُّ الجانبَ الماديَّ مِنَ الإنسانِ، بِزيادةِ الأثرِ عَلى الجانبِ الروحيِّ منهُ. وهنَا أَرى أهميةَ الرسالةِ القرآنيةِ ودورَها فِي توطيدِ علاقةِ الروحِ بالجسدِ؛ إِنَّها علاقةُ انسجامٍ كاملةٍ؛ وهذا لكونِ الإسلامِ رسالةً واقعيةً، وليستْ رسالةً تطلبُ المثاليةَ مِن الذينَ ينتمونَ إِلَيْها

إنَّ جميعَ الدياناتِ الَّتي يتعبدُ بِها الناسُ اليومَ، أَوْ مَا تَبَقَّى مِنْهَا، وخاصةً اليهوديةَ والنصرانيةَ، دياناتٌ ترجِّحُ جانبًا واحدًا مِنْ طبيعةِ الإنسانِ. فاليهوديةُ توجِّه جُلَّ تركيزِها عَلى الأمورِ الماديةِ الَّتي تتعلقُ بتطبيقِ أحكامِ التوراةِ، وتركزُ عَلى الشكلياتِ أَوِ الأمورِ الماديةِ، فالروحانيةُ لا تَشغلُ حيزًا كبيرًا مِن عقيدتِها، أو عَلى الأقلِ يُغلِّبُ اليهودُ الجانبَ الماديَّ عَلى الجانبِ الروحانيِّ. وقدْ بيَّنَ اللهُ سبحانَه وتعالَى هذا في سورةِ البقرةِ حينمَا قالَ

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‎‏

البقرة ٩٦

وهذِهِ إشارةٌ إِلى أنَّهم يتمنونَ الخلودَ فِي العالمِ الماديِّ؛ لأنهمْ يُغلِّبونَ هذا الجانبَ، وإيمانُهم بالبعثِ والجزاءِ ضعيفٌ، ولهذا شبَّههم اللهُ هنا بالمشركينَ الذينَ لا يعرفونَ بطبيعتِهم سوى الجانبِ الماديِّ؛ ولهذا يتمنَّونَ الخلودَ في هذِه الأرضِ. ولقدْ وصفَهم اللهُ تعالى فِي مواضعَ أُخرى بأنَّ قلوبَهم قاسيةٌ، وأنَّهم يحرِّفونَ الكَلِمَ عَنْ مواضعِه، وذلكَ في إشارةٍ إِلى الخللِ البادِي على سلوكِهم، وضعف الجانبِ الروحانيِّ الذي يُلِّينُ القلبَ ويَزيدُ الإنسانَ إيمانًا ويقينًا

وعَلى النقيضِ مِنْ هؤلاءِ نَرى في النصرانيةِ تركيزًا كبيرًا عَلى الجانبِ الروحانيِّ مِنَ الإنسانِ، يصلُ إلى حدِّ التطرفِ، فِفي كثيرٍ مِنْ تعاليمِ النصرانيةِ، نجدُ مبالغةً كبيرةً في الشعائرِ الروحانيةِ، معَ ضعفِ التركيزِ عَلى الأمورِ الماديةِ أو التي تَمسُّ حياةَ الإنسانِ مباشرةً. فكثيرٌ مِنهم يعتقدُ أنَّ الإيمانَ محلهُ القلبُ فحسبْ، وليسَ يَظهرُ بالضرورةِ في الأعمالِ اليوميةِ لَدى الإنسانِ. وهذا الخلل بينه الله في القرآنِ الكريمِ، فوصفهم بابتداعِ هذه الأمورِ الخارجةِ عنْ تعاليمِ عيسى عليه السلام

 ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ

الحديد ٢٧

ومنَ الجديرِ بالذكر ِ–والمؤسفِ في الوقتِ نفسِه- أنَّ كثيرًا من المسلمينَ في الآونةِ الأخيرةِ اتَّبعُوا بعضَ هذِه التعاليمِ النصرانيةِ التي تفصلُ بينَ الجانبينِ: الروحيِّ أو القلبيِّ، والجانبِ الماديِّ مِنَ الإنسانِ. ومنْ أمثالِ هذِه الرهبانيةِ التي ابتدعَها النصارَى أنَّهم قدْ حرَّموا عَلى أنفسِهم الزواجَ. عَلى أنَّ هذِه التعاليمَ ليستْ تعاليمَ واقعيةً، ولا يمكنُها أنْ تدومَ فترةً طويلةً، ولَوْ أصرَّ عليها بعضُ الناسِ؛ وذلكَ لِأَنَّها ضِدَّ طبيعةِ الإنسانِ الماديةِ، وضدَّ الفطرةِ الَّتي فطر اللهُ الناسَ عَليْهَا

ثُمَّ تتجلَى أحكامُ الإسلامِ المعتدلةُ بينَ الإفراطِ عندَ هؤلاءِ وبينَ التفريطِ عندَ أولئكَ، بينَ الغلوِّ الماديِّ في اليهوديةِ، والغلوِّ الروحانيِّ في النصرانيةِ، ينتصبُ الإسلامُ علامةً عَلى الدينِ الوسطي. ففي التعاليمِ القرآنيةِ نجدُ أنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى لا يفرقُ بينَ الإيمانِ بالقلبِ وبينَ الإيمانِ بالعملِ. ومنْ ذلكَ أنَّ قولُه: {إنَّ الذينَ آمنُوا وعملُوا الصالحاتِ}، وردَ في عشرةِ مواضعَ بالقرآنِ. وفي ذلكَ دلالةٌ عَلى أنَّه لا يمكنُ الفصلُ بينَ الإيمانِ والعملِ، ولا يمكنُ ترجيحُ جانبٍ واحدٍ على الآخرَ؛ هذا لأنَّ العملَ مَا هُوَ إلا تصديقٌ لِمَا في القلبِ. وهذا لا يَعني أنَّه لنْ يكونَ هناكَ تقصيرٌ مِن الإنسانِ منْ ناحيةِ الإيمانِ والعملِ، ولكنْ لا يجوزُ للمسلمِ أنْ يقولَ: الإيمانُ في القلبِ، والأعمالُ لا تؤثرُ عَلى هذا الإيمانِ. وفي هذا قالَ الحسنُ البصري

ليسَ الإيمانُ بالتمنِّي ولكنْ مَا وقَرَ فِي القلبِ وصدَّقَهُ العملُ، وإنَّ قومًا خرجُوا مِنَ الدُّنيا ولَا عملَ لهمْ، وقالُوا: نحنُ نحسنُ الظَّنَّ باللَّهِ، وكَذَبُوا لَوْ أحسنُوا الظَّنَّ لَأحسنُوا العملَ

وهذَا الشهرُ الَّذي أُنزلَ فيه القرآنُ، إنِ استمسكَ المرءُ بتعاليمِه وقواعدِه الراسخةِ، فلنْ يجدَ ذلكَ الفصامَ فِي جانبَيْه: الماديِّ والروحانيِّ. وعليهِ، لا يمكنُ أنْ تكونَ هناكَ هذِه الازدواجيةُ فِي حياتِنا مَتى عَلِمْنَا أنَّ مَا نفعلُه في أمورِنا اليوميةِ ينعكسُ بشكلٍ آو بآخرَ عَلى أمورِنا الإيمانيةِ، كيفَ وقدْ قالَ اللهُ سبحانَه وتعالَى

وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ 

التوبة ٤٦

وهذَا مثالٌ عَلى ذلكَ الفصامِ بينَ القولِ والعملِ، وقدْ نزلتِ الآيةُ فِي المنافقينَ حِينَما امتنعُوا مِنَ الخروجِ معَ الرسولِ عليه الصلاةُ والسلامُ، وفي ذلكَ دليلٌ عَلى فسادِ النيةِ لَديهِم. وهنَا وضَّحَ اللهُ أنَّ مَا يرسخُ في القلبِ يُبديه الفعلُ. فلمَّا عَقدوا العزمَ عَلى عدمِ الخروجِ ثبَّطهُمُ اللهُ، ولَو أنَّهم عَزموا أمرَهم وتوكَّلُوا عَلى اللهِ لأعانهم اللهُ عَليْه. وقدْ بيَّنَ اللهُ تَعالى فِي موضعٍ آخرَ كيفَ تكونُ الأعمالُ مُصدِّقةً للقلوبِ؛ ومثال ذلك قوله سبحانه وتعالى

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‎

النحل ٣٢

ولهذَا يصحُّ وصفُ الإسلامِ بأنَّه: العقيدةُ الواقعيةُ الَّتي لا تطلبُ مِنا المستحيلَ، مثلَ الكفِّ عَنِ الأمورِ الأساسيةِ في حياةِ الإنسانِ، ولا تجعلُ هدفَنا الأسمى اللهاثَ وراءَ رغباتِنا الماديةِ. إنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ واقعيةٌ فِي مطالبِها، تمزجُ بينَ الجانبِ الروحيِّ والماديِّ للإنسانِ. ومنْ هذا المنطلقِ يتَّضِحُ دَورُ صيامِ رمضانَ بالنسبةِ إِلى المسلمِ. فمِمَّا يميزُ هذا الشهرَ الفضيلَ بالنسبةِ إلى كثيرٍ منَّا، أنَّه يكفُّ الصائمَ عَنْ لذةِ الطعامِ والشرابِ. وهذا الشعورُ هُو الَّذي يجعلُنا نتقربُ إِلى اللهِ بفعلِ الخيراتِ وعملِ الصالحاتِ، وفي ذلكَ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ في آياتِ الصومِ

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 

البقرة ١٨٣

إنَّ الصومَ في ظاهرِه يَعني الكفَّ عنْ شهوتَي البطنِ والفرْجِ فِي أوقاتٍ مخصوصةٍ، والغايةُ مِنه تحقيقُ التقوى، وهوَ بذلكَ يجمعُ بينَ العملَيْنِ: الماديِّ والروحانيِّ. وكثيرٌ مِنَّا يَستشعرُ هذا التحولَ في إِيمانِه وسلوكِه بمجردِ أنْ يَدخلَ فِي رمضانَ. وكثيرٌ مِنَّا يَزيدُ في الطاعاتِ، ويكفُّ عَنِ المعاصي في هذِه الأيامِ. وهذا شعورٌ حقيقيٌّ، أوْ عَلى الأقلِ هو كذلكَ في عَالَمِنا الماديِّ، فَلا فرقَ بينَ الأمسِ واليومِ إِلَّا أنَّنا اخترْنا ألَّا نأكلَ فِي أوقاتِ النهارِ. ولكنْ يظلُّ مَا وراءَ ذلكَ أعظمَ بكثيرٍ. فقدْ بيَّنَ العلماءُ أنَّ المعاصِي قدْ تُخِلُّ بصيامِنا، وأنَّ مجردَ كلمةٍ تخرجُ مِنَّا قدْ تؤثرُ عَلى عبادةِ الصومِ، بلْ فِي بعضِ الأحيانِ قدْ تُبطِلُها. ومنْ هذَا المنطلقِ يكونُ رمضانُ عبادةً جامعةً؛ فهوَ فِي حقيقتِه يجمعُ بينَ الأمورِ الحسيةِ والمعنويةِ، أو الروحانيةِ والماديةِ

ولا زالَ رمضانُ يزورُنا كلَّ سنةٍ لِيذكِّرَنا بأهميةِ التصالحِ بينَ جانبِنا الماديِّ وجانبِنا الروحانيِّ. ولهذا، كلَّما كففْنا أنفسَنا عنِ الأذى والمعاصي بشكلٍ كبيرٍ في رمضانَ؛ ازددْنا إيمانًا وشعورًا بلقاءِ ربِّنا. وهذِه تذكرةٌ لَنا حيثُ لا يمكنُ إصلاحُ حالِ المسلمِ وتوطيدِ علاقتِه بربِّه إلَّا بعدَ أنْ يُصْلِحَ عملَه، فإنِ ارتكبَ المعاصِي واستسهلَ الكبائرَ، فإنَّه سيجدُ صعوبةً بالغةً في استشعارِ لذةِ مناجاةِ ربِّه أو قراءتِه للقرآنِ. كذلكَ يأتِي رمضانُ كلَّ عامٍ ليُذكِّرَنا بأهميةِ التلاحُمِ الاجتماعيِّ، ويؤكدَ أنَّ الأمةَ الإسلاميةَ أمةٌ واحدةٌ، تناجِي ربَّا واحدًا، تقرأُ قُرآنًا واحدًا، وهدفُها واحدٌ: إرضاءُ ربِّها

Subscribe.

Loading