تأملات قرآنية

بدأ يوسف عليه السلام حياته في بيت النبوة، فكان الطفلَ المدلل والمفضل لوالده لدرجة أن إخوته قالوا (لَيوسُفُ وأخوه أحبُّ إلى أبينا منا). ومن شدة حب يعقوب عليه السلام لابنه يوسف ما استطاع أن يخفي هذا الشعور. وهذه المحبة التي جرّت إخوة يوسف إلى الكيد به وإلقائه في غيابة الجب. وهنا لابد أن نتساءل ماذا كان مصير يوسف عليه السلام من دون هذا الحدث؟. لو أن خطة إخوة يوسف فشلت في ذلك الحين، او أن أباهم رفض أن يخرج يوسف معهم يرتع ويلعب تلك الساعة، ماذا كان مصير يوسف؟ هل سيكون بعد عدة سنوات عزيز مصر؟ وهل سيكون في إمكانه إنقاذ أهله من الجوع؟ نحن هنا بالتأكيد لا نتساءل عن قدرة الله سبحانه وتعالى على فعل ما يشاء ولكن نتساءل عن أهمية الأحداث التي تحصل لنا ونحسبها شراً لنا ولكنها أبعد من ذلك، فهي الخير وكل الخير. بل لو أن إخوة يوسف علموا أن إلقاء يوسف في الجب سينتهي به إلى مكانته في مصر بعد سنين لما ألقَوه في الجب. فقد حسبوا أنهم يتخلصون منه ولكن الله قدر أنهم هم الذين سوف يسوقنه إلى رفعة شأنه

كما إن أخوة يوسف ظنوا أنهم تخلصوا من الطفل المدلل، هو نفسه ظن أن سوف ينتهي به الأمر إلى حياة العبودية وخاصة بعد ما شروه بثمن بخس. فإن جاء أحد في ذلك الحين وسأل يوسف عليه السلام عن مصيره فهل سيقول له: سيكون عندي مفاتيح خزائن مصر بعد حين. ولك أن تتخيل يوسف وهو في سوق البيع والشراء، يباع ويشترى ويسام عليه. ولكن انظر كيف يدبر الله الأمور (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها) واشتراه عزيز مصر وأوصى به زوجته (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا). ومرت به السنون وأصبح من أجمل خلق الله في الأرض، وهذا ما قاد امرأة العزيز إلى الهم به ومحاولة إجباره على ارتكاب الفاحشة ولكنه رد عليها ردا تقشعر منه الأبدان (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) تذكّر يوسف عليه السلام حسن المثوى وهو الذي ألقي في الجب واشتري من سوق العبيد وعاش خادما في بيت العزيز. وتخيلوا هذا المشهد. فهو خادم في بيت العزيز، وكان في خلوة كاملة معها فكانت هذه فرصة عظيمة. ولو أن أحداً آخر في مكانه ارتكب هذه المعصية فلن يلومه الناس، وسيقولون إنه خادم وليس لديه أي خيار آخر، ولكن معاذ الله أن يستجيب لها يوسف عليه السلام. وهنا أيضا يجب أن نتصور الأمور لو كان (ومعاذ الله من هذا) يوسف استجاب لهذا. كان على الأرجح أنه لن يدخل السجن ولن يفسر حلم الرجل الذي خرج لاحقا وذكره عند الملك. وهنا أيضا نرى أن دخوله السجن، كان سببا رئيسياً ليصبح عزيز مصر

ويرى قارئ القرآن هذا الملمح أو الاتجاه في معظم قصص القرآن، وخاصة في قصص الأنبياء عليهم السلام. في قصة موسى نراه ألقي في اليم، والتي ألقته أمه، ألقته بيديها (فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني). وهذا ما أدى إلى إن يعيش في قصر فرعون ليكون له عدوا وحزنا. وكذلك قتْلُ موسى للرجل أدّى إلى خروجه من مصر وذهابه إلى مدين. وهنا أيضا نرى أن نفس الأحداث تكررت لموسى. ففي كل مرحلة من مراحل حياته مر موسى على ظروف صعبة. من كونه رضيعاً إلى أن نجاه الله من فرعون، مرت على موسى مراحل قد يظنها البعض عسيرة وليس بعدها إلا ما هو أعسر. ولكن بعد كل مرحلة نجد أن الله يفتح أمامه بشيء أجمل مما كان عليه. فبعد هروبه من فرعون وصل إلى مدين وهناك التقى بزوجته وعاش في مدين معها. وفي طريقه إلى مصر، كلمه الله (إني أنا ربك) وبشره بالنبوة ومحبته إليه (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني). ثم بعد ذلك ذهب إلى فرعون ليدعوه فرفض فرعون وأراد أن يتخلص منه ومن بني إسرائيل فهرب موسى مرة أخرى. وهناك انفلق البحر وأغرق الله فرعون وانطوت صفحة هذا الطاغية وسيظل موسى عليه السلام يصلى عليه إلى قيام الساعة. وهنا أيضا لو تخيلنا سائلا جاء يسأل موسى أثناء هروبه من فرعون إن كان يظن أنه سوف يكون نبي الله بعد سنين، من الأرجح أنه سوف يقول هذا شبه مستحيل. وكذلك كان لابد من موسى أن يخرج من مصر ليرجع لها نبيا بعد حين. كل الأحداث متعلق بعضها ببعض وكل حدث يؤثر فيما بعده من الأحداث. هذه سنة الحياة. أي إنّا لا ندري كيف لحدثٍ ما أنْ يؤثر علينا في المستقبل سواء ظننا أنه حادث يسير أو عسير

كثير من حياتنا – أو من الممكن القول – إن كل حياتنا عبارة عن تخطيط وتجهيز لمستقبل ما. سواء كانت هذه في المستقبل القريب، كالوضوء للصلاة، أو ركوب السيارة للذهاب إلى العمل، أو لمستقبل أبعد، مثل تربية الأطفال والدخول في التجارة، التي لابد أن يكون للإنسان فيها نظرة مستقبلية بعيدة المدى. ولأننا لا نعلم الغيب، فنحن لا نعلم علم اليقين ماذا سوف يحصل لنا ولآمالنا المستقبلية ولو بعد ثوان معدودة (لا تدري نفس ماذا تكسب غدا) وكذلك لا نعلم علم اليقين عن أي حدث يحدث لنا إن كان خيرا أو شرا لنا. فنحن ننظر للأحداث بنظرة إنسانية تفتقد النظرة المتكاملة. وهنا أقصد أن نظرتنا محدودة فلا يمكننا الاطلاع على النظرة البرزخية للأحداث. ومهما حدث لنا من فراق حبيب أو خسارة صديق أو ما شبه، فيجب أن نثق بالله سبحانه وتعالى أنه مدبر الأمر كله وأنه سوف ييسِّر الأمور ولو بعد حين. فقد أحيى اللهُ الأرض المقدسة بعد أن دُمرت بالكامل، وأحيا الرجل الذي استبعد هذا ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهو سبحانه قادر على أن يجعل بعد عسر يسرا وقادر على أن يخلق مما نراه عسيرا ما لم نتصوره من الخير

Subscribe.

Loading