القرآن عن القرآن

القرآن الكريم كلام الله -تعالى-، هو الكتاب الخالد المعجز الذي لا تنتهي عجائبه، ولا يمل المؤمن من النظر فيه، والاستماع لآياته والتلذذ بها. وما من أمر أعجب من البحث في كيفية تحدُّث القرآن عن القرآن، وكيف وصف الله –تعالى- كتابه العزيز، الذي يُخرِج الناس من الظلمات إلى النور، ومن اليأس إلى الأمل والاستبشار

الآيات التي يصف القرآن فيها نفسه كثيرة، فلو بدأ القارئ من بداية المصحف سيجد أن أول ذِكْر للقرآن هو في الآية الثانية من سورة البقرة حين قال الله سبحانه

الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين (٢)

سورة البقرة: ١- ٢

استفتح الله -سبحانه وتعالى- كتابه وفي أطول سورة منه، بتحدٍّ للكفار، مع منح شيء من أنواع الطمأنينة للمؤمن

فمن المعتاد أن يستفتح أيّ كاتب كتابه بأن يوضّح أنه من الممكن أن يكون في ثنايا الكتاب أخطاء غير متعمدة؛ سواءٌ كانت أخطاء إملائية أو أخطاء في التعبير عن فكرة ما، أو تناقض في الأفكار المطروحة في الكتاب. ولا يوجد كتاب على الإطلاق اُستفتح في بدايته أن هذا الكتاب لا يوجد فيه أيّ أخطاء ولا تناقض، ولن يكون هناك طبعة ثانية وثالثة منه

ووصف الله القرآن بأنه لا ريب فيه -والريب هو القلق والاضطراب- يُعبّر الله في هذه الجملة الوجيزة عن أن مَن يتبحر في القرآن ومعانيه لن يخرج منه بقلق واضطراب، بل سيخرج مطمئن القلب ومستقر الروح

ومن الممكن أن يَسأل سائل عن الأمور العملية لهذه الآية، فبعيدًا عن الأمور النظرية، ما هي الفائدة العملية لقوله تعالى بأن القرآن كتاب لا ريب فيه؟

وللإجابة عن هذا سؤال سنضرب مثلاً على موضوع من الموضوعات القرآنية التي تبعد الإنسان من الشك إلى اليقين، ومن الاضطراب إلى الطمأنينة. وهذا الموضوع من أهم موضوعات القرآن التي يتمحور حولها الإنسان إلى يومنا هذا، وما زالت تحيّر الكافر؛ ألا وهو موضوع البعث بعد الموت

إن الآيات التي تتحدث عن البعث بعد الموت لا تُعدّ ولا تُحصَى، ومن الموضوعات الرئيسة في القرآن: الإيمان بالبعث والنشور. فقال الله سبحانه

وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ

سورة فاطر: ٩

وفي هذه الآية ضرب الله لنا مثلاً كيف يحيي الأرض بعد موتها بالأمطار، وكيف أن الصحراء القاحلة في موسم الجفاف تتحول إلى جنات في موسم الأمطار والربيع. فلا يحتاج الإنسان إلى الدكتوراه في العلوم الطبيعية لينظر إلى هذه الظاهرة الكونية ويتعجب منها. ولأن الإنسان تعوَّد على هذه الظواهر، فهو يرى هذه الظاهرة في كل سنة، حتى أصبحت لا تبهره ولا تلفت نظره ولا تستثير فِكْره. ولكنّ المتدبر في آيات الله ينظر إلى هذه الظواهر الطبيعية بانبهار وتعظيم لله -جل وعلا-. وفي هذا المثل يقرّب الله لنا فكرة البعث بعد الموت. فكما نرى أمام أعيننا الصحراء تتحول إلى جنة؛ فإن الله قادر على أن يحيي العظام وهي رميم

ومن المعروف أن الموت وما بعد الموت من الأمور التي تُشكّل غموضًا لكثير من الناس، وخاصةً في المجتمعات التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر؛ فالموت أمر لا يشغل بالهم كثيرًا، ولكنه في نفس الوقت يُشكِّل كثيرًا من تصوراتهم ومفاهيمهم عن الحياة، ويبدو في هذا الكلام تناقض، وهو كذلك. فالإنسان الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يبذل كل ما لديه حتى ينسى فكرة الموت، وفي كثير من الأحيان هو لا يفعل ذلك بكامل وعيه عن هذه الحقيقة

فمنهم من يشغل يومه وليله بالعمل المستمر وبساعات طولية، ثم يذهب إلى النوم، ويبدأ يومه التالي على نفس الوتيرة. ومن الممكن أن تمر أيام وسنوات ولا يسأل نفسه الأسئلة المحورية، وهي: من أنا؟ ما معنى هذه الحياة؟ وإلى أين سأذهب؟ ثم يتفاجأ عندما يكبر في العمر أن ليس لديه أيّ قيمة في مجتمعه (لأن القيمة في هذه المجتمعات مرتبطة بالعمل)؛ فيُرسَل إلى دار المسنين إلى أن يلقى حتفه. فمردّه أن يواجه هذه الحقيقة، وهي حقيقة الموت وما بعد الموت

ومن الناس من يشغل نفسه بالملهيات كشرب الخمر واللهو المذموم. وهو يقوم بهذه الأمور لأجل أن ينسى وإن كان لا يدري أنه يفعل هذه المنكرات لأجل أن ينسى هذه الحقيقة. ولا يوجد في الكون حياة إلا كان معها الموت فهذا أمر حتميّ. والإنسان من طبيعته يُدرك هذه الحقيقة، ولو لم يَستوعبها بشكل كامل في حياته اليومية.

فغموض الموت وإنكار وجود ربّ قادر على أن يحيي الموتى، تُشكّل اضطرابًا وقلقًا للإنسان. فإن كان لا يؤمن بالله لن يعيش حياة مطمئنة ومستقرة. فهو في قلق مستمر؛ لأنه يدرك أن الموت قادم لا محالة، وقد قال الله تبارك وتعالى

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

سورة البقرة: ٩٦

ومن المهم أن ندرك أن الإشكالية تكمن في أن هذا الإنسان الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يعرف سبب قلقه المستمر؛ لأن هذا الاضطراب يعيش في عقله اللاوعي فتراه يتخبّط في قراراته وتصرفاته: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [سورة البقرة: 17]

ولأن الله -سبحانه وتعالى- بيَّن للمؤمن حقيقة الموت، ومصير الإنسان، وأن هذه الحياة مجرد دار بلاء وامتحان، وأن الله سيجمع الناس ليوم لا ظلم فيه، وأن الله سيجمع أولئك الأخيار في جنة عرضها السماوات والأرض، يجد المؤمن نفسه استقرت واطمأنت لهذه الحقيقة. فالموت، مهما كانت مرارته وصعوبته، ما هو إلا جسر إلى دار الخلود والبقاء. ومهما وجد من التحديات والابتلاءات، يدرك أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. ومهما خسر من أحباب، يدرك أن الله سيجمعه بهم برحمته في جنات الخلد

وهذه الطمأنينة لا بد منها من أجل أن يعيش الإنسان حياة مستقرة؛ لأنه إن لم يؤمن بهذه الحقيقة سيُدرك عاجلاً أم آجلاً أن الحياة لا معنى لها؛ أولاً لأن مصيره إلى الموت، ولا يوجد شيء بعد الموت، فلا يوجد معنى حقيقي للخير والشر. وثانياً إذا لم يكن هناك حياة بعد الموت، ففراق الأحباب فكرة لا ينتج عنها إلا الاكتئاب والنظرة السلبية للحياة. وثالثًا إذا لم يكن هناك بعث ويوم يُحاسَب فيه كلّ إنسان على أفعاله؛ فالإنسان يتحول إلى بهيمة لا تهمّه إلا فكرة التكاثر في الأموال وإشباع الشهوات

وبعكس هذا، فالمؤمن يعيش حياته مطمئن القلب، هادئ النفس؛ لأنه من خلال القرآن يفهم حقيقة هذه الدنيا، ويعرف الله حق المعرفة، ويعلم أنه هو الذي خلقه أول مرة، وهو الذي سيبعثه إلى يوم لا ريب فيه، وأرشده الله –سبحانه- إلى الطريقة السليمة لكي يفوز الفوز الحقيقي، وحتى يجمعه مع أحبابه في روضة يحبرون في جوار الرحمن الرحيم

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

آل عمران: ١٨٥

Subscribe.

Loading