منذ فجر الإسلام، والأمة الإسلامية تتعرض لمحن وفتن متواصلة، حيث لا تزال أمواج الباطل تضرب الحق دون توقف. في كل زمن، يظهر أهل الباطل يبحثون عن الشبهات ويسعون لنشر ضلالهم وزرع الفتن لإفساد الدين. فقد مر النبي عليه الصلاة والسلام بمحن كثيرة في حياته، وجاء أصحاب الفتن بشبهات عديدة، ولكن سرعان ما انكشفت الحقيقة. ومما مر به الرسول عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته فتنة الإسراء والمعراج. فعندما أُسري بالرسول إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماء، رجع إلى قومه يحدثهم عما حصل. وأكثر من فرح بهذا الخبر هم صناديد قريش الذين وجدوا في ذلك ما يشككون به المسلمين في صدق قائدهم. فلما جاؤوا أبا بكر ليخبروه عما أخبرهم به النبي، قال كلمته الشهيرة: “إن كان قاله فقد صدق”. وعاش الرسول عليه الصلاة والسلام طوال دعوته وهو يحارب هؤلاء الذين يشككون في رسالته ويثيرون الشبهات
دائمًا ما يكون الهدم من الداخل أسهل وأسرع من الهجوم من الخارج، لأن القرية المحصنة قد تدرس كيفية هجوم العدو من الخارج وكيفية التصدي له. ويكون أصحاب هذه القرية على قلب رجل واحد وهم يدافعون عن قريتهم. ولكن إذا كان هناك أي نوع من الغدر من الداخل، يصبح الاقتحام من الخارج أسهل. ولهذا نرى في الحرب أن العدو يلجأ إلى تجنيد الجواسيس والعملاء، لأن العميل يمكنه أن يكسر البيت من الداخل ويسهل على العدو الاختراق. ونضرب هذا المثل على المنافقين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ عُرف أنهم تواطؤوا مع المشركين واليهود في المدينة في أكثر من حادثة. وقد أخبرنا القرآن خصائص هؤلاء المنافقين في سورة الحشر حين قال
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (سورة الحشر: 11)
وفي كل هذه المواضع تصدى لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فثبت العقيدة الصحيحة في قلوب الذين اتبعوه حتى توفاه الله. ومن بعد وفاة النبي تعددت الفتن والمحن على المسلمين، وكان من أشدها حروب الردة واختلاف الصحابة وفتنة خلق القرآن وغيرها من الفتن. ومن الفتن التي واجهتها الأمة في المائة السنة الماضية هي الدعوات المتكررة لمفهوم “تجديد الدين” الإسلامي أو تفسيره بما يسمونه مواكبة العصر الحالي بزعمهم أن الإسلام تعاليمه “رجعية”. هذا الموضوع سأكتب عنه مستقبلاً (مفهوم الرجعية وتجديد الإسلام)، ولكن الشاهد من هذا أن من أشد الفتن القائمة في يومنا هذا هو الإلحاح من الغرب خاصة، ومن بعض المسلمين، على تجديد مفهوم الدين. وقد تصدى لهذا الخطاب بعض العلماء، ولكن وضع العالم الإسلامي الهزيل جعل هذه القوة الراضخة تفرض على بلاد المسلمين الكثير من الأمور التي تعارض صريح تعاليمه. وقد رأينا كيف أن أمورًا مثل الربا والخمر أصبحت متوفرة في كل الدول الإسلامية
ومع كل هذا، نرى أن كثيرًا من المسلمين لا يزالون متمسكين بتعاليمهم الإسلامية. ولكن ما قد نراه في السنوات المقبلة قد يكون أشد خطرًا علينا وعلى أبنائنا. فقد ظهرت في الآونة الأخيرة أفكار تروج أنه كما أن كل الطرق تؤدي إلى روما، فإن كل ديانة تؤدي إلى الله، وأن الكل من أي ديانة كان سيصل إلى الله وسيتقبله الله. وبالأخص الإسلام والنصرانية واليهودية. فالمروجون لهذه الفكرة يزعمون أن هذه الديانات الثلاثة يرجع نسبها إلى إبراهيم عليه السلام، وأنهم متساوون في كل الأمور الأخروية. فبإمكان الإنسان أن يختار ما يشاء من هذه الأديان لأنها كلها في نهاية الأمر ديانة واحدة، وسيجزيه الله الجنة في الآخرة
وفي الحقيقة، ما يقوم به المروجون لهذا الأمر فيه نوع من الذكاء، لأنهم يعتمدون على جهل كثير من الناس بآيات الله والشريعة الإسلامية، فبالتالي يستدلون بآيات كـ “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (سورة المائدة: 69) كدليل على أن الله قد يتقبل من الديانات الأخرى غير الإسلام. وأيضًا يزعمون أن رحمة الله سبحانه وتعالى قد وسعت كل شيء، فهي لا بد أن تسع الديانات الأخرى. وسنجيب على هذا في نهاية المقال، ولكن علينا أولاً أن نتأمل في ما يبينه القرآن حول مفهوم الديانة الإبراهيمية
فقد بين القرآن في أكثر من موضع أن ما جاء به محمد هو امتداد لتعاليم سيدنا إبراهيم عليه السلام. وقد كان موسى وعيسى عليهما السلام أيضًا امتدادًا لتعاليم الخليل إبراهيم. غير أن اليهودية والنصرانية تعرضتا للتحريف والتغيير على مر الزمن واستبدلت التعاليم بخليط من ما تبقى من الحنيفية وتعاليم شركية، منها إيمان اليهود بأن عزير ابن الله، والنصارى بأن عيسى ابن الله. وغيرها الكثير من الأمور التي لا يقبل بها أي موحد، كصراع الله مع يعقوب عليه السلام، وأن يعقوب قد تغلب على الله، وغيرها من الخرافات التي تخرج الإنسان من دائرة التوحيد. ولهذا جاء الإسلام ليصحح ما حُرف من قبل في النصرانية واليهودية. فقد قال الله في هذا
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (سورة آل عمران: 71)
وهذه إشارة واضحة أن الكتب السماوية قد حُرفت بعد موسى وعيسى عليهما السلام. ولهذا أمر الله النبي أن يجادل أهل الكتاب بالبراهين والأدلة
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (سورة آل عمران: 61)
وفي الحقيقة، أن كثيرًا من السور والموضوعات في القرآن يراد بها تصحيح مفهوم أهل الكتاب وإنذار المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب من قبلهم، ومن هذا قول الله تعالى في عيسى
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (سورة المائدة: 72)
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (سورة البقرة: 116)
وفي اليهود قال الله
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (سورة آل عمران: 181)
والآيات في هذا الموضوع كثيرة، ولكن ما يبدو واضحًا أن القرآن لا يقر بمقولة تساوي الإسلام مع اليهودية والنصرانية في أي حال. بالعكس تمامًا، يمكننا القول أن من أهم رسائل القرآن هي تصحيح وتبيان ما حُرف في الكتب السابقة وما قيل على الله كذبًا وبهتانًا. ومن ثم، من الصعب أن ينخدع المسلم في القول بأن هناك أي نوع من التساوي بين الديانات الثلاث. وبالإضافة إلى ذلك، قال الله في صريح القرآن إن أولى الناس بإبراهيم عليه السلام الذين اتبعوه ومحمد والذين اتبعوه، وهم المسلمون
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران: 68)
فهذه الآية فيها بيان صريح لكل قارئ أن أولى الناس بإبراهيم هم المسلمون الذين يتبعون دين إبراهيم، وليس النصارى واليهود. وقد قال الله في آية صريحة في نفس السورة إن إبراهيم عليه السلام مسلم
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (سورة آل عمران: 67)
ومن هنا، يكون من الصعب أن نقر بالقول أن هناك ديانة إبراهيمية تشمل الإسلام واليهودية والنصرانية، لأن هذا القول ليس فقط خاطئًا ولكنه يهدم ويكذب رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه جاء ليصحح ما حُرف من قبل أهل الكتاب
أما ما قيل في تفسير قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (سورة المائدة: 69)، فالمقصود الذي يتبين من خلال النظرة الشاملة للقرآن هو أن اليهود والنصارى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم أولئك الذين اتبعوا دعوة موسى وعيسى عليهما السلام قبل التحريف وقبل بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. ومع ظهور كل نبي، كان يجب على الناس اتباعه. فمثلاً، كان على اليهود أن يؤمنوا بعيسى عليه السلام، والذين اتبعوا عيسى عليه السلام كان يجب عليهم الإقرار برسالة محمد عليه الصلاة واتباعه. فما كان لليهود أن ينكروا بعثة عيسى ويبقوا على الدين الصحيح، ولا يمكن لليهود والنصارى أن ينكروا بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ويبقوا على المنهج الصحيح
ومن هنا نفهم قوله سبحانه وتعالى: “وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (سورة آل عمران: 85)، ولا يوجد تعارض بين هذه الآية وما سبقتها، لأن اتباع محمد عليه الصلاة والسلام شرط لمن يريد اتباع ملة إبراهيم حنيفًا
إن الادعاء بوجود ديانة إبراهيمية تضم الإسلام واليهودية والنصرانية هو تضليلٌ بيّنٌ ومنافي للحقيقة التي أوضحها القرآن الكريم. فالديانة الإبراهيمية الحقة هي الإسلام. وقد أكد الله تعالى أن إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا مخلصًا لله. وأي محاولة للخلط بين الإسلام وما حُرّف من اليهودية والنصرانية هي تشويه لحقيقة التوحيد وانحراف عن الرسالة الصافية التي أرسلها الله عبر أنبيائه. إن قبول مثل هذه الأفكار هو انحراف خطير عن جوهر العقيدة ويؤدي إلى طمس معالم التوحيد الخالص الذي نزل به الوحي