لطالما عاش الإنسان وترعرع في أسرته التي تتكون من أب وأم وإخوة وأخوات، وبين أقربائه من جد وجدة وأعمام وأخوال وكان للأسرة دورها ومكانتها في المجتمع كأداة لترسيخ القيم الراشدة، وتهيئة الأبناء ليكونوا فعّالين ومؤثرين إيجابيًّا في مجتمعاتهم. وأصبح معروفًا أن الأبناء الذين يعيشون في أسرة تتكون من أب وأم (وليس مع واحد منهما فقط) يكونون أكثر تعليمًا ويصبحون أكثر فعالية في مجتمعاتهم (انظر هنا Link).
ولا ينكر أحد مكانة الأسرة في تربية الأطفال وتعليمهم المبادئ والقيم. ولا ينكر أحد أن المدرسة والأمور الأخرى التي يتعرض لها الأطفال خارج البيت تكون ثانوية، ولا يمكنها أن تكون بديلاً لما يتعلمه في البيت.
وفي القرآن الكريم نجد مواضع كثيرة ذُكرت فيها العلاقات الأسرية سواء بين الأب والابن أو بين الزوجين، وما هو أبعد من ذلك من الأقارب. وكانت وصية الله في سورة التحريم وصية مختصرة ولكنها معبّرة وتحمل أبعادًا شتى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
[سورة التحريم: ٦]
في هذه الآية يأمر الله عباده بأن يحموا أنفسهم وأهليهم من النار. ومن هذا المنطلق على المسلم أن يبدأ بنفسه، ثم بأهله في تزكية النفوس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأهل وخاصة الأبناء هم أمانة عند آبائهم، وتقع مسؤولية التربية عليهم بالدرجة الأولى. والوصية من الله كانت مباشرة لعباده؛ فهم المسؤولون عن تربية الأبناء وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، ولا تقع هذه المسؤولية على المدارس أو المراكز التربوية وغيرها من الأمور الثانوية.
ومن الأمثلة المستفيضة في هذا الموضوع: ما جاء في قصة لقمان وابنه في سورة لقمان. فقد أوصى لقمان ابنه وصايا تشمل كل الأمور التي يحتاجها الابن في صغر سنّه وعندما يبلغ رشده. فبدأ لقمان بوصيته الأولى، وهي أعظم وصيته لابنه بأن يفرد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة ولا يشرك معه شيئًا.
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[لقمان: 13]
وهذه الوصية هي ركيزة الدين، والذي يبني عليها المسلم كل أمور الدنيا والآخرة، ومن دونها لا يُقبل لأحد عمل. فهذا الاعتقاد ليس مجرد كلمة يتلفظ بها الإنسان، ولكنها تفرض عليه التحرر من عبادة كل ما سوى الله. وفي زمننا هذا أعظم ما يُعبَد من دون الله هو عبادة الهوى. وقد بيَّن الله أن من الناس من يتخذ هواه إلهًا؛ فهو لا يتبع أيّ منهج معتبر ولا يتفكر ويتبصر في عاقبة الأمور، فهو يتبع ما تشتهيه نفسه، ويجعل شهوته البوصلة التي تحدد الصواب من الخطأ. وهذا شائع في زمننا؛ فمن الناس من جعل شهوته هي التي تقوده وأصبح كالبهيمة لا تتفكر في عاقبة الأمور، ولا تلتزم بأي قاعدة أخلاقية:
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
[الفرقان: 43]
قال الشعبي: «وسُمِّي هوًى لأنه يهوي بصاحبه، ومطلقه يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فِكْر في العاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلاً وإن كانت سببًا لأعظم الآلام عاجلاً وآجلاً؛ فللدنيا عاقبة قبل عاقبة الآخرة».
فكانت القاعدة الأولى والأهم هي التحذير من عبادة ما دون الله، والتحرر من اللذات والشهوات إلى عبادة العزيز الجبار.
وبعد هذا أوصى لقمان ابنه بحفظ المودة والإحسان إلى من أحسن إليه. ومن يستحق هذا الإحسان أكثر من الوالدين؟
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ لقمان: 14- 15].
وفي هذه الآية قولان: أولهما أنها آية اعتراضية، وأن الله هو الذي وصَّى الإنسان بوالديه، والقول الثاني أنها وصية لقمان لابنه. وأيًّا ما كان القول؛ فمحتوى الآية لا يتغير؛ ففيها وصية لكل إنسان بالإحسان لوالديه، وإظهار المودة والبر لهما. فهذه العلاقة التي هي ما بين الوالدين والأولاد هي أعظم وأقدس علاقة يعرفها الإنسان. فمن هذه العلاقة تُبنَى الأسر، ومن هذه العلاقة تُبنَى المجتمعات والدول. فإذا كانت علاقة الوالدان بالأبناء علاقة مودة وحبّ فلا يتصور أن يخرج الولد إلى مجتمعه بغير ذلك. ومن هذه العلاقة تتوطد المبادئ والقيم، ومن هذه العلاقة يستطيع الوالدان أن يغرسوا في أبنائهم القِيَم الأخلاقية التي من الصعب أن يحل مكانها شخص أو مؤسسة خارجية.
ولا بد أن ندرك أهمية هذه العلاقة، وأن فقدانها سبب في تدهور المجتمع أخلاقيًّا. ومن المعلوم أن الحياة الأسرية ليس لها قيمة حقيقية في كثير من المجتمعات التي وإن كان فيها نوع من العلاقة بين الوالدين والأبناء؛ إلا أنه في كثير من الأحيان يُنظَر إلى هذه العلاقة كعبء أكثر من أنها نعمة من الله. ويُنظر إلى الوقت التي يقضيه الوالدان مع الأبناء كوقت ضائع، وليس فيه إنتاجية الكبرى. ولهذا اختار كثير من الآباء والأمهات العمل لساعات طويلة، وإدخال الأبناء في حضانات، أو تركهن للجلوس مع المربيات لساعات طويلة. فإن كان هذا الأمر هو المتّبع فممن وكيف سيتعلم الأبناء قِيَمهم وسلكوهم؟
ويكمل لقمان وصيته إلى ولده بعد أن أوصاه بعدم الشرك بالله والإحسان لوالديه فينبهه على أمر عظيم، وهو أن الله بكل شيء محيط.
يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
[لقمان: 16]
أراد لقمان أن يبين لابنه عظمة الله وأنه إن كان يريد أن يتوكل على أحد فليتوكل على الذي بيده ملكوت كل شيء. فمن توكل على شيء غير الله أصبح رهينته. فإذا توكل الإنسان على إنسان آخر كامل التوكل سيصبح رهينة لهذه الإنسان، ولا بد أن يأتي يوم يُخذل فيه؛ لأنه مهما وصل الإنسان من القوة والعلم فهو ضعيف. ولا يعني أن المتوكَّل عليه سيخذل المتوكِّل بعلمٍ، ولكنه قد ينسى أو يصيبه مرض أو موت أو ما شابه ذلك. فكيف للإنسان أن يتوكل على شيء لا يملك علمًا ولا قوة مطلقة إلا وقد ارتكب خطيئة وخيبة أمل. فلقمان هنا يهيئ ابنه ليصبح أكثر وعيًا بقوة وعلم الله مقارنةً بمخلوقاته، وبهذا سيدرك أن التوكل المطلق لا يمكن أن يكون لغير الله.
وبعد أن انتهى من تعليم ابنه أصول العقيدة وركائز الإيمان، ينتقل لقمان إلى تعليمه الأعمال الصالحة ومعاملة الآخرين.
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[لقمان: 17]
ويبدأ لقمان بأهم ركن في الأعمال الخارجية، وهي الصلاة. وهذا يبين أن أهمية الصلاة ومكانتها في العقيدة الصحيحة كانت قبل ظهور رسالة الرسول -عليه الصلاة والسلام-. فهاهنا لقمان يوصي ابنه بإقامة الصلاة. وفي تعليم الصلاة أهمية ذات صلة مباشرة في تهذيب الأبناء. فتعلم الابن الصلاة من صغر سنّه تجعله يتعاهدها ولا يتكاسل عنها عند الكبر، ولكن الأهم من هذا أن لقمان يُعلّم ابنه كيفية التواصل مع الله صلة مباشرة. ومن غير الصلاة تنقطع سبل التواصل مع الله، ولن يجد الإنسان الطمأنينة والراحة إلا إذا صلى «أرحنا بها يا بلال». ومن الجدير الذكر أن الرسول هو النبي الذي يُوحَى إليه مباشرة من جبريل عن الله تعالى، لا يجد الراحة إلا في الصلاة.
وبعد هذا يوصي ابنه بالإصلاح الاجتماعي الذي يتمحور حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينحصر فيما يتصوره البعض بأن يكون هناك فئة من الناس يمشون في الأسواق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بطريقة جافة وقاسية. بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية الجميع في المجتمع. فعلى المسلم أن يبدأ بنفسه أولاً، ومِن ثَم أسرته، ثم أقاربه والمجتمع. وتتعدد الطرق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمنها عن طريق الكتابة، ومنها عن طريق الخطب، أو أي من الوسائل الأخرى. وقد تكون مباشرة وغير مباشرة؛ ولكن إن لم تكن بالحكمة والموعظة الحسنة فلن تؤدي غرضها، وفي أكثر الأحيان تكون نتيجتها عكسية ومنفرة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مسؤولية الوالدين تجاه أبنائهم، فمنهم يتعلمون الصواب من الخطأ، ومنهم يتعلمون العقيدة والآداب. وهذا ليس من الأمر اليسير فمن المعلوم أن تربية الأولاد هي من أصعب المهام، ولكن إن صبر الوالدان عليها فسوف تنجّي ثمارها في المستقبل. ولهذا ختم الكلام بـ{ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17].
وختم لقمان كلامه بآداب وأخلاقيات المؤمن
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
[لقمان: 18-19]
وهنا يُعلّم ابنه أصول التعامل مع الناس، وكيفية إظهار نفسه أمام الناس. ولا ذنب ولا معصية أعظم عند الله من الكِبْر. فبها كفر إبليس بعد ما رفض السجود لآدم، وبها كفر مشركو قريش، وبها ينكر ملحدو هذا الزمن وجود الخالق. فوصَّى ابنه ألا يصعّر خده للناس بمعنى ألّا يرفع خده بأسلوب فيه من الكِبْر والغرور، ولا يمشي في الأرض مرحًا؛ بمعنى أن لا يمشي متبخترًا وفخورًا. وبيَّن العلة {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}.
ثم انتقل إلى الطريقة المثلى للتعامل مع الناس، ومن أهمها طريقة البروز أمام الناس، وهذا يتبين من مشيه. فالمشي يجب ألا يكون في أيّ صورة من صور التفاخر المذموم وألا يرفع صوته بطريقة غير ملائمة. فبيَّن لقمان لابنه أهم ما يحتاجه من العقيدة والتعامل مع الناس بشكل يُرضي الله -سبحانه وتعالى-.
وفي هذه الآيات دروس تبين لنا أهمية الأسرة في ترسيخ وإرشاد الأبناء إلى ربهم وتعليمهم القيم السليمة التي تُرضي الله وتجعله مقبولاً بين الناس. فمن المعلوم أن التواضع والإحسان من الصفات التي يحبها الناس وأن الكبر والتفاخر من الصفات التي تجعل الإنسان مبغوضًا أينما حل. فبهذه التوصيات يكون قد فاز الإنسان بالدنيا والآخرة، وذلك هو الفور المبين.
ولا يمكن أن يتخلى المجتمع المسلم عن قيمة الأسرة مهما تخلى عنها الآخرون. فهؤلاء الذين قلّلوا من مكانة الأسرة وقيمتها سلكوا مسلكًا خاطئًا، وقد رأينا الانحلال الأخلاقي كيف انتشر في مجتمعاتهم وبلدانهم. ولهذه العوامل اهتم الإسلام بالأسرة وجعلها المحطة الرئيسية لتعلم الآداب والأخلاق.